محمد هادي معرفة
118
التمهيد في علوم القرآن
عقولهم لا يلتوي على أفهامهم ، ولا يحتاجون منه إلى ترجمان وراء وضع اللغة ، فهو متعة العامّة والخاصّة على السواء ، ميسّر لكل من أراد وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ « 1 » و « 2 » وميّزات أخرى أيضا ذكر هنّ بهذا الشأن ، سوف نوافيك بها في فصل قادم عند الكلام عن دلائل الإعجاز ، في الحقل الثاني من الكتاب إن شاء اللّه . 4 - وقال الأستاذ مصطفى صادق الرافعي : وقد كان من عادة العرب أن يتحدّى بعضهم بعضا في المساجلة والمقارضة بالقصيد والخطب ، ثقة منهم بقوّة الطبع ، ولأنّ ذلك مذهب من مفاخرهم ، يستعلون به ويذيع لهم حسن الذكر وعلوّ الكلمة ، وهم مجبولون عليه فطرة . ولهم فيه المواقف والمقامات في أسواقهم ومجامعهم . فتحدّاهم القرآن في آيات كثيرة أن يأتوا بمثله أو بعضه ، وسلك إلى ذلك طريقا كأنّها قضيّة من قضايا المنطق التأريخي ، فإنّ حكمة هذا التحدّي وذكره في القرآن ، إنّما هي أن يشهد التأريخ في كلّ عصر بعجز العرب عنه وهم الخطباء اللّدّ والفصحاء اللسن ، وهم كانوا في العهد الذي لم يكن للغتهم خير منه ولا خير منهم في الطبع والقوّة ، فكانوا مظنّة المعارضة والقدرة عليها . حتى لا يجيء بعد ذلك فيما يجيء من الزمن ، مولّد أو أعجمي أو كاذب أو منافق أو ذو غفلة ، فيزعم أنّ العرب كانوا قادرين على مثله . . . أمّا الطريقة التي سلكها إلى ذلك ، فهي أنّ التحدّي كان مقصورا على طلب المعارضة بالمثل ، ثم قرن التحدّي بالتأنيب والتقريع ، ثمّ استفزّهم بعد ذلك جملة واحدة ، كما ينفج الرماد الهامد « 3 » ، فقال : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
--> ( 1 ) القمر : 17 . ( 2 ) النبأ العظيم ( نظرات جديدة في القرآن ) : ص 95 - 106 . ( 3 ) نفجت الريح : هاجت وجاءت بشدة .